جاء استكمال بنيان الجامعة وتحويلها الى جامعة حكومية عام 1925 ثمرة من ثمار مرحلة جديدة من تاريخ مصر المعاصر كانت ثورة 1919 نقطة الانطلاق بالنسبة لها وهى مرحلة تميزت نتعلق امال المصريين فى تحقيق الاستقلال الوطنى وتهيئة البلاد لتحمل تبعاته ورغم ان مصر نالت استقلالا منقوصا فى تصريح 28 فبراير 1922 الشهير الا ان جذوة النضال الوطنى من اجل استكمال الاستقلال لم تخب يوما فساهم المصريون فى الابقاء عليها متقدة دائما حسب مواقعهم الاجتماعية المختلفة وتباين مصالحهم وحجم الامال التى يعلقونها على الاستقلال الوطنى وما انشاء بنك مصر وسعيه لبناء قاعدة وطنية للاقتصاد المصرى الا اسلوب من اساليب تعبير النخبة الاجتماعية المصرية عن املها فى الاستقلال عن التبعية الراسمالية الاجنبية وما كان تاسيس الجامعة واستكمال بنيانها بعيد عن امال المصريين فى دعم استقلال بلادهم وتحقيق نهضتها التى يشكل التعليم والعلم حجر الزاوية فيها
لذلك ارتبط ابراز كيان الجامعة المصرية وتنظيمها ورعاية الدولة لها بتطور التعليم فى مصر وخاصة التعليم الثانوى الذى يؤهل الطالب للالتحاق بالجامعة ولما كانت شهادة التعليم الثانوى تؤهل حامليها للعمل بالدواوين الحكومية وتسمح لبعضهم بالالتحاق بالمدارس العليا لتحقيق نفس الغاية وهى تخريج الكوادر اللازمة لخدمة مختلف المصالح الحكومية
فان الحاجة اصبحت تدعو الى اعادة النظر فى التعليم الثانوى من حيث نظامه وبرامجه بما يرقى به الى المستوى المناسب لتاهيل التلاميذ للالتحاق بالجامعة
ومن هنا كان حرص على ماهر باشا وزير المعارف ( مارس 1925 – يونيو 1926 ) على اعادة النظر فى مختلف مراحل التعليم العام بما يحقق تكامل بنيان نظام التعليم الذى تقبع الجامعة عند قمته مسترشدا ببرامج التعليم فى بعض البلاد الاوروبية وخاصة فرنسا وبريطانيا وبلجيكا
ولما كان وزير المعارف الرئيس الاعلى للجامعة فقد اهتم اهتماما خاصا بالتعليم الثانوى فادخل عليه تطويرا يهدف الى ربطه بالتعليم الجامعى باعتباره المصدر الذى تحصل منه الجامعة على طلابها فجعل التعليم الثانوى خمس سنوات بدلا من اربع يزود الطالب فيها بالمعارف العمة لمدة ثلاث سنوات ثم يتفرع التعليم الثانوى الى ثلاث شعب فى الفرقتين الرابعة والخامسة هى العلوم والاداب والرياضيات حتى يتزود الطلاب بالدراسات التى تعينهم على التوجه لدراسة التخصصات المختلفة فى الجامعة
وما لبثت الحكومة ان ادركت الحاجة الى وضع سياسة تعليمية تقوم على اسس ثابتة من شانها مسايرة روح العصر وتطوراته وتكون قابلة للتدرج حسب حاجات البلاد وما يتفق مع نهضتها وتطورها فشكل مراد سيد احمد باشا – وزير المعارف – فى اكتوبر 1930 لجنة برئاسته وعضوية وكيل الوزارة ومدير الجامعة وعمداء كليتها ونظار المدارس العالية واربعة يختارهم الوزير من اهل الخبرة وتضمن قرار تشكيل اللجنة تحيد مهمتها باقتراح سياسة عامة للتعليم ووعدت الوزارة بتزويد اللجنة
بكل ما تحتاج اليه من بيانات غير ان اللجنة لم تدع للاجتماع الا مرة واحدة فى مارس 1931 ولم تدع للاجتماع بعد ذلك ولعل مرد ذلك الى انشغال جكومة اسماعيل صدقى بالصراع السياسى الذى دار كرد فعل للانقلاب الدستورى ونتيجة للازمة الاقتصادية التى زادت من صعوبة ربط السياسة التعليمية باعتمادات مالية جديدة وهكذا ظل نظام التعليم الثانوى يشوبه القصور
وقد وجه مجلس النواب انتقادا للحكومة اذ جاء فى تقرير لجنة المالية عن مشروع ميزانية الجامعة المصرية للسنة المالية 34- 1935 (( ان التعليم الثانوى ما برح عاجزا عن مسايرة نهضة الجامعة المصرية وعن سد حاجتها بامدادها بطلاب من درجة اعلى وعلى استعداد لفهم الاغراض الجامعية والتفرغ لدراساتها المتشعبة ولما كانت وزارة المعارف العمومية قد اخذت برغية المجلس التى تقضى بوجوب تعديل مناهج التعليم فالفت فعلا لجانا لفحص مناهج التعليم الابتدائى والثانوى فلجنة المالية ترجو ان يكون فى حيز الامكان تمثيل الجامعة بكلياتها الاربعة فى لجنة فحص مناهج التعليم الثانوى بالجامعة صلة وثيقة بل صلة اساسية تسمح ان يكون لممثلى الكليات راى فى تقدير حالة الطلبة الذين يقدمهم التعليم الثانوى الى كلياتهم ))
وعندما تولى احمد نجيب الهلالى باشا وزارة المعارف عام 1935 اعد تقريرا عن التعليم الثانوى راى فيه تخصيص دراسات تدريبية للمعلمين بتنظيم محاضرات يلقيها عليهم اساتذة الجامعة لرفع كفاءتهم التدريسية وضرورة العناية باللغتين الانجليزية والفرنسية فى المرحلة الثانوية حتى يستطيع من يلتحق بالجامعة الاطلاع على المراجع المختلفة
وادخل الهلالى باشا تعديلا على نظام التعليم الثانوى فجعل التلاميذ يدرسون موادا ثقافية لمدة اربع سنوات يحصلون بعدها على شهادة الثقافة ( الدراسة الثانوية القسم العام ) ثم يتخصص من شاء منهم متابعة الدراسة للالتحاق بالجامعة فى احدى الشعب الثلاث العلوم او الرياضة او الاداب لمدة سنة دراسية يحصل بعدها على شهادة التوجيهية ( الدراسة الثانوية القسم الخاص ) بينما كانت شعبة الرياضيات تعد الطالب للقبول بكليتى الهندسة والعلوم اما شعبة الاداب فتؤهله للالتحاق بكليات الاداب والحقوق والتجارة
ولما كان التعليم العام بمصروفات حيث تحمل اولياء الامور جانبا من نفقات تعليم ابنائهم وظلت الحال كذلك حتى تقررت مجانية التعليم على يد طه حسين فى وزارة الوفد الاخيرة ( 1951 ) قبيل ثورة يوليو فقد كان التعليم الثانوى قاصرا على ابناء الطبقة الوسطى وحدهم ممن يستطيعون تحمل نفقاته وهم عادة القادرون على الحاق ابنائهم بالجامعة ومن ثم كانت غالبية الحاصلين على الثانوية عام 1936 0 79% من جملة الحاصلين على الثانوية و81% عام 1938 و 77% عام 1940و75% عام 1942 و85% عام 1944 فاذا وضعنا فى الاعتبار ان رسوم القيد بالجامعة جعلت الطالب يتحمل ما بين 35 % و60% من نفقات تعليمه حيث كانت تلك الرسوم تتراوح ما بين عشرين جنيها للاداب وخمسة واربعين جنيها للطب ( عام 1940 ) بينما كانت تكلفة طالب الاداب 52 جنيها وطالب الطب 148 جنيها فى العام الدراسى الواحد عنذئذ على حين كانت مصروفات التجارة 25 جنيها وتكلفة الطالب 35  جنيها فى العام الواحد فاذا كانت بعض الدراسات قد قدرت الميزانية اللازمة لاسرة تتكون من زوجين واربعة اولاد لاتقل عن 439 قرشا فى الشهر كحد ادنى للطعام والكساء وفق الاسعار الرسمية عام 1942 وهو ما كان يعجز عن الحصول عليه الا الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى ( عندئذ ) ادركنا ان التعليم الثانوى والجامعى كانا قاصران على الطبقة الوسطى ( وخاصة شرائحها المتوسطة والعليا ) ورغم ذلك كان عدد طلاب الجامعة قد اخذ يتضاعف عند اواخر الثلاثينات مع الاتساع التدريجى لشرائح الطبقة الوسطى المصرية الذى اسرعت خطاه خلال سنوات الحرب العالمية الثانية نتيجة ما احاط بها من ظروف اقتصادية مواتية
لذلك برزت الحاجة الى التوسع فى التعليم الجامعى ووقعت هذه المهمة على عاتق فؤاد الاول ( جامعة القاهرة ) فوضعت نواة جامعات اخرى واضطلعت بعبء تاسيسها

جامعة فاروق الاول( جامعة الأسكندرية ) 

وعندما ازداد الاقبال على التعليم الجامعى اصبحت فؤاد الاول ( جامعة القاهرة ) لاتتسع لقبول جميع المتقدمين بها وظهرت الحاجة الى التوسع فى التعليم الجامعى وكانت الحكومة تلح على الجامعة فى مستهل كل عام دراسى لزيادة اعداد الملتحقين بها من الطلاب بينما كانت الجامعة لاتستطيع تلبية طلب الحكومة حتى لايؤثر ذلك على مستوى التعليم بها ومن ثم بدا التفكير فى انشاء فرع للجامعة بالاسكندرية يكون امتدادا لها ونواة لجامعة مستقلة فيما بعد فقرر مجلس الجامعة عام 1938 انشاء فرعين بالاسكندرية لكليتى الحقوق والاداب ووافق مجلس الوزراء فى 6 اغسطس 1938 على قرار مجلس الجامعة ثم انشىء فرع  لكلية الهندسة بالاسكندرية عام 1941 واعدت وزارة المعارف مشروع قانون جامعة الاسكندرية التى اطلق عليها اسم (( جامعة فاروق الاول )) وقد رؤى ان تكون على غرار جامعة القاهرة ( فؤاد الاول ) حتى تحقق الاستفادة من تجارب الجامعة الام
وبصدور القانون رقم 32 لسنة 1942 فى 2 اغسطس 1942 قامت جامعة فاروق الاول بالاسكندرية التى تكونت فى اول امرها من كليات الاداب والحقوق والطب والعلوم والهندسة والزراعة والتجارة بعد ان قضت فترة حضانة مدتها اربع سنوات فى حجر جامعة القاهرة حيث اصبحت فروع الاداب والحقوق والهندسة بالاسكندرية نواة للجامعة الجديدة
ولكن مهمة جامعة القاهرة لم تتوقف بقيام جامعة الاسكندرية كجامعة مستقلة بل لعبت الدور الاساسى فى امداد الجامعة الناشئة بالخبرات اللازمة والكوادر من اعضاء هيئة التدريس وخاصة ان الجامعة الوليدة لم تكن قد توفرت لها الامكانات التى تعينها على اداء رسالتها وكان الدكتور محمد حسين هيكل باشا ( وزير المعارف عندئذ ) ميالا الى الاستعانة بالاساتذة الاجانب فى المواقع التى تستدعى فيها الحاجة لذلك حتى يتم اعداد هيئة التدريس الخاصة بجامعة الاسكندرية فى مصر وخارجها وبذلك وقع على عاتق جامعة القاهرة سد النقص فى هيئات التدريس

 جامعة ابراهيم باشا الكبير (عين شمس)

  وفى عام 1950 انشئت جامعة ابراهيم باشا الكبير ( عين شمس ) بالعباسية بالقاهرة لتلبية الحاجة الى التوسع فى التعليم الجامعى بعدما ازداد الاقبال عليه بعد الزيادة فى اعداد خريجى المدارس الثانوية بعد الحرب العالمية الثانية وزيادة سكان القاهرة والمحافظات الفريبة منها بالشكل الذى جعل جامعة القاهرة عاجزة عن استيعاب المتقدمين لها من حملة الشهادة الثانوية
وجعل الحاجة ملحة الى انشاء جامعة جديدة بمدينة القاهرة وخاصة ان هناك بعض المعاهد العليا التى تصلح نواة لكليات جامعية جديدة مثل مدرسة الفنون والصنايع بالعباسية كما كانت هناك المواقع التى شغلتها كلية العلوم جامعة القاهرة بملاحق قصر الزعفران بالعباسية مما يسر سبيل اقامة كلية للهندسة تحتل موقع مدرسة الفنون والصنائع وتستفيد بمعاملها وامكاناتها وكذلك كلية للعلوم وثالثة للطب مستفيدة من مستشفى الدمرداش الذى كانت تشرف عليه كلية الطب بجامعة القاهرة بالاضافة الى انشاء كليات الاداب ( التى احتلت موقع مدرسة اجنبية سابقة بشبرا ) والحقوق والتجارة اللتان نزلتا ضيوفا على الهندسة وبعض المدراس العليا بالمنيرة حتى امكن بناء الحرم الجامعى بالعباسية وانتقال الكليات اليه ( 1962 ) بينما اتخذت كلية الزراعة من قصر محمد على بشبرا الخيمة مقرا لها
ووقع على عاتق جامعة القاهرة – مرة اخرى – القيام بالدور الاساسى لتنظيم الجامعة الجديدة وتم انتقال بعض اعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة فى مختلف التخصصات الى الجامعة الجديدة حيث توفرت كراسى الاستاذية الشاغرة وفرص الترقى فى سلك هيئة التدريس فاستفادت جامعة ابراهيم باشا الكبير بخبرات اعضاء هيئة التدريس الذين انتقلوا اليها من جامعة القاهرة الذين اكتسبوا خبراتهم عبر سنوات الدراسة والتدريس بالجامعة الام
فقد كان معظمهم من خريجى جامعة فؤاد الاول كما ساعد وجود الجامعة الجديدة بالقاهرة على الاستعانة باعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة لسد النقص فى اضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة لسد النقص فى اعضاء هيئة التدريس عن طريق انتدابهم للتدريس بجامعة ابراهيم باشا الكبير التى اصبحت – بعد قيام ثورة يوليو 1952 – تعرف باسم (( جامعة عين شمس ))
وفى منتصف الخمسينات طرحت فكرة ضم جامعة عين شمس الى جامعة القاهرة حتى لايكون هناك ازدواج ناتج عن وجود جامعتين متماثلتين فى التخصصات فى مدينة واحدة فدافع الدكتور طه حسين عن فكرة الابقاء على جامعة عين شمس مستقلة – فى مقال نشر بجريدة الجمهورية فى 7 اغسطس 1955 – وطالب وزير التربية والتعليم بالتانى فى تعديل نظام الجامعة واستشارة الخبراء قبل ادخال اى تنظيم جديد حيث ان النظام المعمول به فى جامعات الشرق والغرب هو تعدد الجامعات وليس ادماجها فاستمرت جامعة عين شمس مستقلة تؤدى رسالتها الى جانب جامعة القاهرة

جامعة محمد على باشا الكبير ( اسيوط )

 ومع صدور القرار الخاص بانشاء جامعة ابراهيم باشا الكبير بالقاهرة عام 1950 صدر قرار بانشاء جامعة محمد على باشا الكبير باسيوط ولكن كان من الصعب – فى ضوء الامكانات المتاحة – ان يلقى عبء تاسيس جامعتين فى وقت واحد على عاتق جامعة القاهرة لذلك استنت الدولة سنة حميدة عندما بدات باعداد اعضاء هيئة التدريس لاول جامعة بصعيد مصر فاوفدت البعثات الى الخارج لدراسة الدمتوراه فى مختلف التخصصات التى تحتاج اليها الجامعة الجديدة
وبدات الراسة بالجامعة التى اصيحت تسمى (( جامعة اسيوط )) ( بعد قيام ثورة يوليو 1952 ) عام 1957 وكانت البداية بكليتين هما كلية العلوم وكلية الهندسة ثم استكملت الجامعة كلياتها تدريجيا وكان على جامعة القاهرة ان تدعم الجامعة الجديدة بالاساتذة والكوادر المتخصصة وتعينها على اعداد لوائحها ونظام الدراسة بها وهو ما فعلته جامعة القاهرة طوال فترة التاسيس ( 1950- 1957 ) وفى مرحلة ما بعد التاسيس فاعدت لجامعة اسيوط الكثير من اعضاء هيئة التدريس وقام اعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة بالتدريس بجامعة اسيوط حتى استكملت بنيانها واكتفت بذاتها
وهكذا كانت جامعة القاهرة – حجر الزاوية فى التعليم الجامعى فى مصر قد ارتبطت بالكفاح الوطنى من اجل التحرر السياسى والاجتماعى والاقتصادى فقد لعبت دورا خالدا فى تدعيم اركان التعليم الجامعى فى مصر بتبنيها للجامعات التى انشات فى الاربعينيات والخمسينيات ولازالت تؤدى رسالتها فى احتضان نواة جامعات اخرى جديدة
والجدير بالذكر ان جامعة القاهرة لعبت دورا هاما فى المشاركة فى تاسيس العديد من الجامعات العربية مثل جامعة الرياض ( الملك سعود) وجامعة الملك عبد العزيز بجدة وجامعة بغداد وايضا جامعة الكويت

 




عودة